القرطبي

145

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) هذا لا يكون ولا يتصور . ( لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ) أي من قبل مجئ محمد صلى الله عليه وسلم ، فلم نر له حقيقة . ( إن هذا ) أي ما هذا ( إلا أساطير الأولين ) أي أباطيلهم وترهاتهم ، وقد تقدم هذا كله . قال الله تعالى : ( قل ) يا محمد جوابا لهم عما قالوه ( لمن الأرض ومن فيها ) يخبر بربوبيته ووحدانيته وملكه الذي لا يزول ، وقدرته التي لا تحول ، ف‍ ( سيقولون لله ) ولا بد لهم من ذلك . ف‍ ( قل أفلا تذكرون ) أي أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر . ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم . سيقولون لله قل أفلا تتقون ) يريد أفلا تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون ، زعمتم أن الملائكة بناتي ، وكرهتم لأنفسكم البنات . ( قل من بيده ملكوت كل شئ ) يريد السماوات وما فوقها وما بينهن ، والأرضين وما تحتهن وما بينهن ، وما لا يعلمه أحد إلا هو . وقال مجاهد : " ملكوت كل شئ " خزائن كل شئ . الضحاك : ملك كل شئ . والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت ، وقد مضى في " الانعام ( 1 ) " . ( وهو يجير ولا يجار عليه ) أي يمنع ولا يمنع منه . وقيل : " يجير " يؤمن من شاء . " ولا يجار عليه " أي لا يؤمن من أخافه . ثم قيل : هذا في الدنيا ، أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع ، ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع . وقيل : هذا في الآخرة ، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع . ( فأنى تسحرون ) أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده . أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به مالا يضر ولا ينفع ! والسحر هو التخييل . وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع . وقرأ أبو عمرو : " سيقولون الله " في الموضعين الأخيرين ، وهي قراءة أهل العراق . الباقون : " لله " ، ولا خلاف في الأول أنه " لله " ، لأنه جواب ل‍ " قل لمن الأرض ومن فيها " فلما تقدمت اللام في " لمن " رجعت في الجواب . ولا خلاف أنه

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 23 .